الأحد، 11 يونيو، 2017

أربعة شعارات تهدد الثقافة العربية


مقال منشور في صحيفة المثقف، إصدار مؤسسة المثقف العربي العدد: 3932 المصادف: الاحد 11 - 06 - 2017م
غلى هذا الرابط: 

ثمة واقع فكري حالي يحاول الكثيرون تصديره للعالم أجمع ولنا –نحن العرب- بشكل خاص، عبر كثير من القنوات الإعلامية والمنابر الفكرية المختلفة، وبأدوات شديدة التنوع  تعتمد على الإبهار في بعض الأحيان...
هذا الفكر، إن جاز لنا تسميته فكرا، حمل إلينا بعضا من الشعارات، رأيت أن أنوه عنها حتى نعلم ماهو وافد إلينا من خزعبلات فكرية نتمنى ألا ننساق وراءها لمجرد كونها تأتي عبر "الخواجة"، أو تتماشى بعضها مع  الظروف النفسية المحبطة التي تعاني منها مجتمعاتنا القابعة تحت تراجع فكري كبير، بين مطرقة التخلف والرجعية، وسندان العدمية واللامعنى. وإليكم بعضا من تلك الشعارات:-
أولا: عش لنفسك!
 حيث لامكان في هذا العصر لمن يعيش أحلاما اجتماعية، وهموما وطنية وقومية، وأوجاعا دينية، فلاحديث الآن عن استرداد مقدساتنا وأراضينا الفلسطينية المغتصبة، لم تعد تلك موضة العصر الذي أعلن بوضوح أن على كل منا أن يعيش لنفسه، ويرسم لحاله فقط أحلام الثراء والشهرة، أو عالأقل الستر وتزويج الأبناء وتعليمهم. فمهما يعاني الناس من حولك، لن تكون استجابتك إلا لشقائك فقط، لذلك فنصيحتهم لك ألا تحاول حمل أي هموم فكرية تجمعك بأحد... الفردية هي الشعار ولاتعبأ بالآخرين!
ثانيا: كن "طبيعيا"
لست مميزا عن الطبيعة وما فيها، لا بالعقل ولا بالفضيلة، مثلما آمن الفلاسفة والحكماء من قبل، وبالطبع فلست مكرما ومفضلا كما تخبرنا الأديان، أنت لاتفرق شيئا عن مكونات الطبيعة المادية، من جمادات وحيوانات وأشعة من الضوء تنطلق يمينا ويسارا بلاضابط عقلاني يحدد وجهتها ويرسم غايتها، ومن غير توجيه أخلاقي لسلوكها أو أي تعديل لانحرافاتها...
وعليه، فالقيمة التي تتعدى محاكاتك لسلوك الطبيعة هي أوهام صنعتها الأديان وأكاذيب صاغتها عقول الفلاسفة، ومن هنا عش كما يعيش غيرك من المكونات في الطبيعة، لا مشكلة إذن من العلاقات المثلية طالما بعض مكونات الطبيعة هكذا، ولاضرر من الاستمتاع بكافة ملذاتنا الغريزية، بل الأفضل أن نطلق العنان لمتطلباتنا الشهوانية الجانحة.
ومن قال إن ستر العورات هو من الفضيلة والأخلاق، إن في ذلك تقييد لحرية الإنسان الطبيعية وعودة للجمود والتخلف، فلنتعلم من الحيوانات انطلاقها ولا يمكن أن نكون سببا لتعاسة ذواتنا بقيود فارغة وأوهام بالية!!!
ثالثا: لا تحاول، فلن تفهم شيئا
عودة لما قاله السوفسطائيون من قبل، لا يوجد واقع وحقيقة، وإن وجدت فلن نستطع الوصول إليها، وإن استطعنا، فلن نستطيع أن نجعل غيرنا يصل بأذهانه إليها حيث لا توجد معايير ذهنية واحدة يمكن الارتكان إليها وإقناع غيرنا بأي حقيقة مبنية عليها؛ أرجع منظرو تلك الثقافة الجديدة ماقيل قديما، ولكن بأساليب وحجج عصرية، انتهت لنفس النتيجة: لن تفهم شيئا، فمهما أقنعك أحدهم بشيء، فستفهم شيئا آخر يختلف عما يود هذا الشخص إيصاله إليك، نظرا لأن أجهزة الاستقبال لديك تختلف شكلا ومضمونا عن مثيلتها عنده ولدى غيره، ومع تسلسل تلك الفكرة الخطيرة، يتم تطبيقها على النصوص الفنية والأدبية والفكرية، حتى تطال النصوص الدينية المقدسة، بحيث تقتنع بأنه من المستحيل أن تفهم النص الديني والمراد منه نظرا لاختلاف أفهام من نقلوه إليك، وعليه فلنترك العمل بأي من مبادئه ووصاياه طالما نحن عاجزون عن فهمه كما ينبغي!!
والمضحك في الأمر هنا أن أصحاب هذا الشعار "لن تفهم شيئا" يحاولون إقناع "جميع الناس" بأن الشعار مطلق، وذلك اعتمادا منهم أن الناس سوف تفهم مرادهم ولن يخطئ أحدنا فهم مقاصدهم والوعي بأحاديثهم!! وذلك مناقض تماما لما شككوا فيه من أن أحدا لن يستطيع فهم مراد الآخر كما يريد الآخر إيصاله!!! إنه العبث بعينه...
رابعا: كل المفروض مرفوض!
بالطبع لا أعني هنا كلمات الأغنية الشهيرة، لكن المقصد هو أنه لا شيء يسمى بالمثل العليا في اعتقاد هذه الفئة، فالواجب الأخلاقي ليس أمرا حقيقيا، إنما أتى بفعل العادة، وطالما هو مفروض علينا، فلنقاومه إذن ونحطم تلك الأغلال.
والأغلال هنا يختزلوها في بعض الأفكار القديمة التي مفر عندهم من تكسيرها وتفكيكها، في ظل السعي الحثيث لإماتة الفضيلة وإسقاط العقلانية وهدم البديهيات، فهذا على حسابه في شبكة التواصل الاجتماعي يتسائل: لماذا وجب عليّ أن أحترم الكبير لمجرد أنه يسبقني في العمر، وذاك يعتبر ألفاظه البذيئة دليلا على تلقائيته ويشكك في كون البذاءة فعلا أخلاقيا قبيحا، وثالث ينظر لأن الأشياء تجري بلاأسباب والكون البديع يمكن أن يأتي بالمصادفة حيث لاقوانين للكون والطبيعة، والإبداع الحقيقي هو في العدمية واللاقانون!
والآن بعد أن عرفت شعارات العصر الجديد، التي سوف تحتل شاشة التلفاز التي تشاهدها، وتتصدر عناوينها إعلانات المنتجات الاستهلاكية التي تحاول جذب مافي جيبك، وذلك عبر تقديمها في صورة حكم وأقوال كأنها صدرت من سقراط أو ابن رشد! والتي سوف تراها متجسدة أمامك في الألعاب التي يدمنها أطفالك، والأغاني التي يرددها الشباب من حولك، فهل تستسلم أيها القارئ لكل ذلك؟ أم تقاوم بكل مالديك من قوة، متسلحا بفطرتك العقلانية، وميلك لأخلاق السمو والمثل العليا، لمجابهة أفكار العدمية وملامح الانهيار الحضاري والإنساني الذي بات خطرا يهدد كل إنسان معتز بما لديه من رأسمال العقل والضمير. هذا جرس إنذار والقرار لك...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق