الجمعة، 2 يونيو 2017

والدي... مرة أخرى!



أبويا الله يرحمه كان بيحب عبد الناصر وسيد قطب في آن واحد..
وكان من مريدين العارف المتصوف الشيخ "صالح الجعفري" ومع ذلك كان متابع وبشدة خطب عبد الحميد كشك..
هل دا تناقض؟ للأسف لو انت واخد الأمور بسطحية وعقليتك تصنيفية ضيقة، مؤكد هتفهمه كدا..
لكن تركيبة أبويا كانت بتبحث عن الكمال "الفردي والاجتماعي" وحبه للشخصيات دي عمره ماكان تقليد تام..
كان بيحب في ناصر انحيازه للفقير والجانب الوطني والعروبي 
بيحب في سيد قطب فهمه عن شمولية الدين ومحاربة الطواغيت ونبذ الاستبداد
 بيحب في كشك جرأته في وجه الحاكم وبيحب في الشيخ الجعفري حديثه عن السلوك والمحبة و أهل البيت لأنه كان عاشق ليهم بحكم انتسابه للعترة النبوية وكمان لأنه سليل الشيوخ الكبار "جده الأكبر موسى اليماني من أولياء الله الصالحين"
 لكن وفي نفس الوقت القضية الفلسطينية كانت بتجري في دمه.. فتأييده لكل رموز المقاومة ورفضه لاتفاقيات السلام مع الصهيوني دي حاجة اتربينا عليها..
هل نفهم من كدا إن أبويا سلفي؟ لأ
متصوف؟ لأ
قطبي؟ لأ
ناصري؟ لأ
قومي؟ لأ
ممكن تكلمه في عيوب كل اتجاه من دول ويوافقك، لكنه كان بيركز على الإيجابيات..
 والدي كان إسلامي بحق، كان بيعشق صورة معينة لما ينبغي أن يكون عليه عالم الدين: صاحب القلب الصوفي والعقل المستوعب المتسامح مع المذاهب والاتجاهات المختلفة، والسلوك المجاهد اللي بيهتم بقضايا العالم الإسلامي وبيحلم بوحدة المسلمين تحت راية هدى وإمام عادل
إسلامي حقيقي مش من اللي بيعتبروا العروبة ضد الإسلام والتصوف كفر والوطنية بدعة..
 إسلامي حقيقي مش من اللي بيعتبروا إن الجهاد جهاد النفس ومكانه البيت وبس، لكن مكانش يسلم دماغه لأي حد يقول انا الخليفة أو أنا ولي الأمر.. عشان كدا عمره ما كان يؤيد أو ينتمي للجماعات اللي كانت موجودة في التسعينات وما قبلها..
مهما اختلفت مع تركيبتة في نقاط تفصيلية، لكني بعترف إن التركيبة دي صعب تتوجد حاليا، خصوصا واحنا في زمن الطائفية والتحزبات الضيقة، لكن بمرور الوقت كل مدى بحس إن والدي كان أقرب لروح الدين وجوهره أكتر حتى من الناس اللي اتأثر بيهم دول كلهم..

البخاري في الميزان "د. يحيى جاد"



سألني :
ما حقيقة قولهم : "أجمعت الأمة على أنَّ أصحَّ كتابٍ، بعد كتاب الله، صحيحُ البخاري" ؟
والجوابُ :
* أولاً :
نحن لا نُسَلِّم أصلاً بقضية الإجماع أصولياً، فنحن نشكك (بل نَقْدَحُ) في الإجماع :
- في إمكان وقوعه ابتداءً،
- وفي العلم به إذا وقع،
- وفي حُجيته إذا عُلِمَ.
وليس يسمح المقام ههنا ببسطِ شيءٍ من ذلك، ولا بمناقشة ما استدل به جمهور العلماء على حجية الإجماع.
* ثانياً :
الجملة المسئولُ عنها أعلاه : كَذِبٌ صُراحٌ؛ لأنها حَصَرَت "أمةَ المسلمين كلها" في "جماهير متأخري علماء مدرسة/ تيار أهل السنة والجماعة".
بينما مدارس/ تيارات : المعتزلة، والشيعة الزيدية، والشيعة الإمامية، والإباضية، والخوارج، وغيرهم، عن بَكْرَةِ أبيهم، جميعاً، إجمالاً، لا يَنظرون إلى صحيحَيْ البخاري ومسلم إلا كما يَنْظُرُ متأخرو علماء أهل السنة والجماعة للسنن الأربعة (سنن الترمذي والنسائي وأبي داوود وابن ماجة)، فهم - أقصد المعتزلةَ والشيعةَ وكلَّ مَن ذكرتُ آنفاً- لا يُسَلِّمون بصحة أحاديث الصحيحين، وإنما ينظرون إليهما نَظْرَتهم لأي كتابِ حديثٍ/ رواياتٍ، فيه الصحيح والضعيف والموضوع.
* ثالثاً :
مُتَقَدِّموا علماء تيار أهل السنة والجماعة (سواء من المحدثين أو الفقهاء أو المتكلمين أو المفسرين) لم يتفقوا على "صحة كل أحاديث البخاري المُسْنَدَة المرفوعة"، بل انْتَقَدَ/ رَدَّ/ ضَعَّفَ الكثيرون مروياتٍ مُسْنَدَةً مرفوعةً في صحيح البخاري، سواءٌ كان ذلك قبلَ وجود البخاري نفسه أو بعدَه (حيث إن أكثر مرويات البخاري في صحيحه كانت مُتداوَلَةً وشائعةً بين أهل الرواية والعلم والفقه قبل أن يجمعَ البخاري صحيحَه، وكثيرٌ منهم انتقد/ ردَّ/ ضَعَّفَ عدداً منها، سواءٌ قبلَ أنْ يجمعَ البخاري صحيحَه أو بعدَه).
وهذا يعلمه كلُّ مَن تعمقَ شيئاً في ميدان الدراسات الحديثية (وخاصةً : كتب علوم/ مصطلح الحديث، وكتب الرجال والجرح ولتعديل، وكتب العِلَل، فضلاً عن الكُتُب التي أُفْرِدَت - قديماً وحديثاً- في نقد وتضعيف أحاديثَ في البخاري ومسلم).
* رابعاً :
ما يزالُ بعضُ كبارِ علماء المسلمين، من مختلف المشارب والمدارس والتيارات الفكرية، السنية وغير السنية، والحديثية والفقهية والكلامية والتفسيرية وغير ذلك، قديماً وحديثاً، ينتقد/ يَرُدُّ/ يُضَعِّف أحاديثَ/ مروياتٍ في الصحيحين.
وهذا يعلمه كلُّ مَن تعمقَ شيئاً في ميدان الدراسات الإسلامية عموماً، والدراسات الإسلامية "المقارِنَة" خصوصاً.
* خامساً :
مِن أشنع وأقبح العبارات والتعبيرات : أنْ يُوضَعَ "كتابٌ بشري" مَوْضِعَ المقارنةِ مع "الكتاب الإلهي الخاتم"؛ حيث :
كيف يجوز في ميزان العقل المسلم أن يُوازَنَ أو يُقارَنَ "فِعْلُ البخاري البشري في رواية وتصحيح الأحاديث" بـ "الفعل الإلهي في حفظ اللهِ لكتابه" ؟!
وكيف يمكن أصلاً تَصَوُّرُ أنْ يُوضَعَ كتابٌ بشري - أياً مَن كان مؤلفه، وأياً ما كان محتواه- على مسطرةٍ واحدةٍ مع كتاب الله المجيد، بحيث يَنْزِلُ هذا الكتابُ البشري درجةً، ويَصْعَدُ كتابُ الله درجةً ؟!
وعليه، فمَن شاء أنْ يقول العبارة أعلاه :
أ- فليقل : "البخاري : أصحُّ كتابِ مروياتٍ عن النبي (عليه الصلاة والسلام) عند جُلِّ علماء مدرسة/ تيار أهل السنة والجماعة".
وقولي "جُل" : احترازٌ؛ لأنَّ :
• مِن علماء هذا التيارَ - سواء قبلَ وجودِ صحيحِ البخاري أو بعدَ وجوده- مَن يُقَدِّمُ مُوَطَّأ مالِكٍ - أعني المُسْنَدَ المرفوعَ منه- على ما عداه، بإطلاقٍ وتعميم،
• كما أن منهم مَن يُقَدِّم صحيحَ مسلمٍ على صحيح البخاري، سواء بإطلاق تعميم، أو باعتبارات دون أخرى.
ب- وليس : "أجمعت الأمة على أن البخاري أصح كتابٍ على وجه الأرض بعد كتاب الله" ! فما أقبح وأشنع وأكذب هذه الأخيرة، على شُهرتها العريضة !
* سادساً :
تعامُلُ أكثرِ المسلمين المعاصرين مع صحيح البخاري تتوزعه نزعتان رئيسيتان - إجمالاً- ، هما : "نزعةُ تقديسه"، و"نزعةُ تدنيسه"، واللهَ نسأل أن يُعافينا من هذين الداءَيْن العُضالَيْن.
* سابعاً :
عندي، أنه :
ليس كلُّ ما نُسِبَ للنبي صلى الله عليه وسلم : صَحَّت نسبته،
وليس كلُّ ما صحت نسبته : صَحَّ فهمه،
وليس كلُّ ما صَحَّ فهمه : صَحَّ وَضعُه في موضعه.
و"صحيحُ البخاري" - عندي- : هو "اجتهادُ الإمامِ البخاري" في تصحيح ما ذَكَره فيه من أحاديث، لا أكثر ولا أقل.
وأكتفي بهذا القدر من الإشارات الدقيقة المُرَكزة المُخْتَصَرة،
والله تعالى أعلى وأعلم.
[يحيى جاد]

الاثنين، 15 مايو 2017

في ذكرى النكبة... ql



لا شك إن المثقف لازم يكون عنده قضية وهم
البعض متخيل إن من يحمل قضية الأمة "زي الاستقلال الوطني" و"فلسطين" هو شخص مختلف عمن يحمل هم " التنوير وتجديد الفكر"، ودول بيختلفوا عن واحد تالت قضيته "العدالة الاجتماعية"، ورابع سعيه الأساسي في "الديمقراطية"، وخامس شعاره "مجتمعات الأخلاق والفضيلة"
لكن العبد لله شايف إن الجمع بين كل القضايا دي ممكن جدا وفي شخص واحد، لكن تختلف الاعتبارات والأولويات هنا...
فلسطين قضية تمس القيم والهوية وكمان المقدس الديني، اتكلمنا عنها قبل كدا كتير، وأنا شايفها تجسيد لضمير المثقف.
الاستقلال الوطني دي الحالة اللي لازم يسعى ليها المثقف الباحث عن رفعة بلده، ومن خلال الإجراء دا الأفكار التنويريه هتشوف النور ...
العدالة الاجتماعية والمعيشية دا احتياج أساسي لأي مجتمع تمام زي ما المثقف محتاج ياكل ويشرب وينام وتتوفر له سبل حياة اقتصادية واجتماعية محترمة عشان يبدع ويفكر ويرتقي من الناحية الفكرية والنفسية... فالمجتمع كمان عشان يتقدم ويرتقي محتاج أفراده يتوفر لهم الحاجات الأساسية للمعيشة.
الديمقراطية هي الإجراء اللي بيضمن ديناميكية خدمة المجتمع وتوفير العدالة الاجتماعية وأيضا توفير الجو الصحي للإبداع الفكري والتجديد المطلوب، ودا جو الحرية المثالي لأي مثقف ومفكر، لكن لو الديمقراطية فوقيها مبادئ قيمية وأخلاقية، وثوابت وطنية واضحة تضمن سريان تلك العملية الديمقراطية بشكل سلس يحفظ القيم والاستقلال الوطني، فالبناء المثالي لأحلام المفكر والمثقف الحالم بمجتمع الفضيلة والأخلاق بالتأكيد هيبدأ طريقه في الاكتمال...
لكن السمة الغالبة للأسف من مثقفينا أحاديين بشدة، تلاقي مثقف بتاع فلسطين والمقاومة وبس، وتاني منعوت إنه بتاع تنوير وملوش دعوة بالسياسة، وتالت بيوزع أخلاق، ورابع مبرمج مخه إن الديمقراطية هي الحل ومتناقشنيش في أي حاجة تانية، وخامس بتاع حقوق العمال والغلابة والعدالة الاجتماعية، وكل واحد منهم فاتح الدكانة وبيبيع رغم إن من الممكن إن كلهم يندمجوا في سوبر ماركت كبير يحقق فايدة أكبر للجميع، لكنها مأساة نعيشها اسمها تقديس التخصص وعبادة الأولوية والسجود للفكر الأحادي والتطبيل للفردية، وتضخم الذات وسيطرة الأنا...

مرة تانية: ذكرى النكبة والقضية الفلسطينية كانت ممكن توحد كل أطياف المفكرين والمثقفين لأنها مأساة "ضمير"...

الجمعة، 12 مايو 2017

صديقي الحالم


صديقي يحمل هم وطن بأكمله
مناضل حالم...
زميل الدراسة والعمل الوطني النضالي
د. وليد شوقي


الصديق والأخ


شهم
محترم
ثوري التوجه
راجح العقل
عشرة عمر وزميل العمل والكفاح

د. محمد عادل

الرقص مع الذئاب! مفهوم آخر للضرر...


نشرت الأستاذة الجامعية على حسابها الخاص، فيديو وهي ترقص على أنغام إحدى الأغاني، وبعد أن أثار الفيديو حفيظة مجتمع هيئة التدريس، خرجت علينا الدكتورة لتدافع عن حقها في الخصوصية والحرية الشخصية، طالما أنه لم تؤذ أحدا، وذكرت أن هذا الفيديو ليس من شأنه الإساءة لموقعها ودورها كأستاذة جامعية ومعلمة للأجيال..
هل يعترف الرافعون لشعار “أنا حر مالم أضر..”،  بأن هنالك ضرر معنوي لايقل خطورة عن الإيذاء البدني؟
ولماذا يقر كل من يتبنى قضايا مظلومية المرأة بأن التحرش “اللفظي” هو شيء منبوذ وقبيح، رغم أن الإيذاء هنا ليس جسديا؟ بل بألفاظ تدخل الأذن ويعيها العقل ويفسرها معنويا بأنها من موجبات الضرر ومسببات الإيذاء النفسي والمعنوي..
وفي الوقت ذاته لايقر نفس هؤلاء بأن ثمة مشاهد مثيرة للغرائز تسبب ضررا للعين عندما يعيها العقل ويصنفها بأنها من محركات الشهوات؟
إذن فهناك اعتراف بأن الإيذاء النفسي متواجد ولا يقل خطورة عن مثيله الجسدي، ولكننا للأسف لم نبلغ درجة عالية من التصالح مع أنفسنا، ومفاهيمنا وأفكارنا، لكي نعترف بأن شارب الخمر “الذي لايقود السيارة”، يؤذي الناس بتصرفاته وأفعاله، ويضر بأسرته بصفاته السيئة وعصبيته..
نقل كتاب “قهر الخجل والقلق الاجتماعي” للدكتور موري بي شتاين، حكاية جانيس – ذات الثلاث وثلاثين ربيعا-  حيث كان أبوها ممن يتناولون الكحوليات، فلم يسبق أن امتدت يده بالضرب، او ارتفع صراخه في وجه كل من جانيس أو أمها، وإنما غاية الأمر أنه إذا تحدث، تحدث بصوت عال، كما أنه كان في حالة سكر شبه دائمة عندما يكونون خارج المنزل، وكانت جانيس في فترة مراهقتها تخشى أن يرى أحد أباها على تلك الحالة “غير الواعية”، حيث كانت تشعر بالخزي لدرجة أنها عادة ما صرفت عزم أبيها عن حضور فعاليات العام الدراسي، فضلا عن عزوفها عن اصطحاب أي من أصدقائها بالمدرسة إلى المنزل.
ترى جانيس أن إدمان أبيها للمشروبات الكحولية كان عاملا هاما وراء ظهور أعراض اضطراب القلق الاجتماعي عليها، فهي تعتقد أن إدمان أبيها للشراب قد أصابها بالخوف من الآخرين، وابتعادها عن كسب الأصدقاء وإصابتها بمشكلات في التواصل الاجتماعي بشكل يسوء أكثر كلما تقدم بها العمر..
وعليه، فإن أردنا أن نعترف بالإيذاء النفسي ووقعه الخطير، فلنطبق كافة مظاهره، لا أن نطبقها مع “التحرش اللفظي” ونتغافل عنها مع “حرية الرقص” و”شرب الخمر” بطريقة المشي على سطر وترك الآخر..
آن الأوان لنعيد نظرتنا للضرر، بأن يقوم العقل الإنساني والضمير العام بدوره في إرساء القواعد الأخلاقية بكل جرأة وألا يخاف كل مفكر من وصمه بالرجعية تارة، والأصولية تارة أخرى..
حان الوقت لأن نقاوم تلك الممارسات، بأن نقول للأستاذة الجامعية بأن الرقص والتمايل الجسدي إيذاء نفسي لكل إنسان اختار بأن يسمو بعقله وضميره على شهوات نفسه ونذوات جسده، هو تحقير لكل فرد يقرر بأن الفن الحقيقي يعلو بالنفس ويتسامى بها فوق أطر الغرائز وقيود المظهرية..
فالإبداع ماهو إلا تجاوز لقواعد الجمال الشكلية إلى المعنوية منها، وهو ماينبغي لكل معلم ومفكر وفنان وأديب وكاتب أن يوصلوه للمجتمع بكافة أطيافه وأفراده..
فعلينا إذن أن نتحدث عن القيمة والأخلاق في المجتمع بشكل يخاطب العقل والضمير، وعبر خطاب يستوعب الجميع؛ العلماني والديني، الليبرالي والمحافظ، المسلم والمسيحي والبهائي واللاديني، فجميعنا إنسان يمتلك الحد الأدنى من التمييز العقلاني بين الخطأ والصواب، الضار والنافع، ويمكننا التعايش مع ذواتنا عندما نتفق على معايير واحدة  للفضيلة، والأدب والرقي والإنسانية المشتركة؛ التي لايمكنها أن تقبل بين ظهرانيها معلما يضرب طالبا بدون وجه حق، أو طالب علم يهين أستاذه، أو مدرس يشرب الحشيش و يتمايل من مفعول الويسكي، وآخر يسمي الحركات الغرائزية فنا وإبداعا..
ورغم أن كافة الأديان تضع قيودا أخلاقية للحرية، وترفض التحرر الشخصي تحت شعار أنني حر مالم أضر، وتؤكد على أن للإنسان مسؤوليات أخلاقية وقيمية وسلوكية مع الآخرين تمنع ظهوره بكامل تحرره سواء في المظهر والشكل، أو في سبل التعاملات والصفات المعنوية، إلا أنه من الخطأ إغفال رأي علماء النفس، والفلاسفة والمفكرون والاجتماعيون الذين يتفقون كثيرا على أن للحرية الخاصة أيضا ضوابط وقيود، فعلماء الدين من كافة الاتجاهات والطوائف، والمفكرون والأخصائيون النفسيون إذن متفقون.. فلماذا نختلف، ومالذي يجعلنا نخشى الخوض في تعيين تلك المعايير؟
اللهم إلا الفوبيا التي تسيطر على عقول البعض من فكرة “الوصاية”.. وهو خوف غير منطقي ولاتبرير له خاصة وإن كان البديل هو الفوضى والمزيد من الانهيار الأخلاقي لمجتمعنا، وهو مايتمظهر في انتشار الجريمة وتعاظم أعداد الذئاب البشرية، والتحرش وحفلات الاغتصاب الجماعي وتفشي الشذوذ في كافة التعاملات والعلاقات، وانعدام القدوة والعودة إلى قوانين احط وأحقر من أعراف الغابة وذئابها!..
منشور في مركز بالعقل نبدأ للدراسات والأبحاث على الرابط التالي:

عفوا... الإرهاب له دين!


مقدمة منطقية
إن السلوكيات المتطرفة تحكمها انفعالات..
والانفعال ناتج عن مجموعة من الأفكار والقناعات السلبية..
ربما تختلف درجة الانفعالات من شخص للآخر، ولكن تبقى الفكرة هي “العامل المشترك” بين أكثر من شخص..
مثال وتشخيص
ولنضرب مثالا: أنا أعتبر أن المدير في العمل بيروقراطي ويعطل من الأداء، ولكن لابأس من التعامل معه لمصلحة العمل..
وزميلي “س”، يرى أن وجود المدير يهدد سعادته وراحة باله ويسبب له المزيد من الاكتئاب والحياة المكدرة، وقد يقاطع التعامل مع المدير أو لايتعاون معه على الأقل..
أما زميلي “ص”، فيرى أن المدير خطر يهدد وجوده..
تبقى فكرة وقناعة مشتركة لدى جميعنا، وهو أن المدير” فاشل”، ولكن درجة الفشل تزيد عند قناعات زميليي الآخرين إلى درجة تهديد السعادة أو الوجود!
فإن كان زميلي “س” يستطيع التحكم في انفعالاته وضبط ردود أفعاله، بحيث لن يستخدم سبيل العنف للتخلص من المدير، إلا أن الزميل “ص” بسبب ظروف التنشئة الاجتماعية، وربما الاقتصادية، قد تكون انفعلاته أكثر تطرفا فيقدم على قتل المدير مثلا!
ما الحل الجذري هنا؟
لايمكن أن يقتصر الحل فقط على إلحاق من هم على شاكلة الزميل “ص” للعقوبة القانونية المشددة أو للمصحات النفسية من أجل ضبط الانفعالات فحسب، وذلك اعتمادا على أن من على شاكلة “س” لديهم اتزان انفعالي.. وذلك لأن كلا من “س” و “ص” لديهم أفكار وقناعات في غاية الخطورة. بل لابد من اعتبار أن الشاكلة “س” هي البيئة الفكرة الحاضنة لكل من يقدمون على تصرفات إرهابية من عينة الأفراد “ص”
ولكن من هم أصحاب الشاكلة “س” في مجتمعنا؟
سياسيون، معلمون، أطباء، قادة رأي، رجال دين، أولياء أمور، أدباء وكتاب وإعلاميون يشكلون وعي المجتمع الحالي والعامل الأساسي لاستبطان العقل الجمعي لأفكار وقناعات “متطرفة وضيقة الأفق” عن من يختلفون معهم سياسيا ودينيا وطائفيا، وعرقيا..
والسؤال: كيف تتحول انفعالاتك من “س” إلى “ص” فتصير أكثر تطرفا وعدوانية؟
فتش هنا عن عوامل شديدة القسوة،  كالقهر السياسي والفقر والعوز الاقتصادي، والتهميش والشعور بالدونية اجتماعيا تؤثر كثيرا على انفعالاتك وتجعل ردود أفعالك أكثر عدوانية، لدرجة جعلت أكثر الحوادث الآن هي عبارة عن أب يقتل أطفاله الرضع لأنه لايقدر على إعالتهم!!!
إذن أصبحنا الآن أمام خريطة للمشكلة أكثر وضوحا تتجلى في المخطط التالي


العلاج الشامل
حتى يكون العلاج كافيا لجميع الحالات، لابد أن نبدأ بالأفكار..
وهنا دور القيادات السياسية في كل مجتمعاتنا..
لماذا؟
لأن القيادة السياسية هي من تفتح الباب وتعطي الضوء الأخضر للمفكرين والمثقفين ورجال الدين والمؤسسات التعليمية والتربوية كي تقوم بدورها العقلاني والإصلاحي المطلوب.
كذلك هي من تضيق الخناق -عبر الإجراءات القانونية- على المنظرين للأفكار المتشددة والقناعات المتطرفة الذين بات تأثيرهم كبيرا في الآونة الأخيرة.
أيضا لابد من علاج نفساني واجتماعي للحد من الانفعالات المتطرفة.. وهنا يلزم الحديث عن الثنائية والانفصام والاكتئاب كانفعالات، والعنف والتحرش والجريمة والإرهاب كسلوكيات لها ارتباط وثيق بالانفعالات السابقة..
هل تناسينا العوامل القاسية التي تؤثر على الانفعالات وردود الأفعال؟
لا لايمكن إغفالها، لكن الحلول الأكثر من تلك النافذة تعود بنا مرة أخرى للحديث عن مسؤوليات القادة الساسيين والاقتصاديين..
والخلاصة أن معادلة الفكر، الانفعال والسلوك هي الخريطة التي يتوجب علينا الاعتماد عليها حتى نعالج أصل المشكلة ورواسبها ونقلل من تأثير عوامل أخرى على السلوكيات العدوانية والإرهابية..
وأخيرا: الإرهاب صار دينا!
إن مفهوم الدين هو مايعبر عنه بأنه مجموعة من القناعات والاعتقادات النظرية التي تمثل مفهومك العام عن الوجود والكون والحياة، ويترتب عن تلك القضايا النظرية مجموعة من السلوكيات العملية والأخلاقية، والطقوس العبادية التي يفعلها الإنسان، وبذلك يكون الدين عبارة عن “عقيدة، وعمل”..
وعليه فالإرهاب بشكله الحالي لم يعد سلوكيات عشوائية أو أفعالا شاذة بعيدة عن خريطة الإنسان المعرفية، أو الوعي الجمعي العام، بل بات الإرهاب “دينا كاملا” يشتمل على اعتقادات مشوهة عن السعادة واللذة والناس والغير، و يترتب عليه سلسلة من الطقوس العدوانية تبدأ بالتخوين والإقصاء، وتنتهي بحرمان الأبرياء من الحياة حتى وإن تطلب ذلك تضحية الإرهابي بنفسه أملا في خلاصها من عذاب الحياة إلى نعيم ينشده في واقع آخر !!
ينتمي لدين الإرهاب مجموعة من الناس، يرتدون ثيابا أخرى لأديان بعيدة عن واقعهم وحقيقتهم، حيث ارتدى الإرهابيون قديما الزي المسيحي في عصور الظلام، واتخذوا من الصليب شعارا لحروب وحشية وانتهاكات دموية، وارتدى “الصهاينة” زيا دينيا “يهوديا” لتبرير نظرتهم العنصرية وثقافتهم الإحلالية وإرهابهم المستمر.. وحاليا يرتدون زيا مسلما ويتخذون من “الشهادتين” شعارا لإحداث المزيد من التدمير والانتهاك لكل ماهو إنساني..
ولذلك فالتعامل مع قضية الإرهاب لابد أن تكون أكثر قوة وشراسة لأننا هنا أمام تحديات كبيرة تتمثل في استبدال “دين زائف” وأنماط تفكيرية ومعتقدات خلقت ثقافة ومعاملات عدوانية، بدين حقيقي يمثل الاعتقادات السليمة والقناعات المنطقية والمعاملات الروحية والأخلاقية السوية..
منشور بمركز بالعقل نبدأ للدراسات والأبحاث على الرابط التالي: